في كثيـر من الأحيـان يكون حكمنا الأولي على شخص ما نابع من شكله ...
فالصورة الأولى التي تطبع في أذهاننا عن شخص نابعة عن مدى اعجابنا أو عدم اعجابنا بشكله ومظهره الخارجي ...

لا أمانع في أن نكون انطباع فقط ... لا نظهـره في تعاملاتنا معه حتى نختبر معدنه ونعرف من أي أجناس الناس هـو ...
أما أن

ينسحب هذا الحكم الابتدائي ليشمل بغض الرجل وعدم محبته ... لمجرد شكله ... وعند السؤال تكون الاجابة ... ما أشتهيه من الله !! .... لأمر عجيب ....

للثياب والهنـدام وحسن المظهر نصيب كبير في جلب احترام الناس والحصول على تقديرهم ... لا شك في ذلك ... ولكن يجب ألا يكون العكس ...

وكأننا تجاهلنا قول القائل :
لـيس الجمـال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا = إن الـجمال مآثر ومناقب أورثن مجدا

لذلك .. حدا هذا الشئ بكثير من الناس في الاهتمام بجمال ظاهرهم وعدم الالتفات لجمال باطنهم ...

رغم أن الاوســاخ والاقــذار الحسية ... قد لاتـورد المهـالك ... وإزالتها سهلة ...
بينما الأوسـاخ والأقـذار المعنوية ... تـورد المهالك .. وإزالتهـا ليس بالشئ الهين ...


ولله در جـحا ... حين ذهب إلى وليـمة لم يدع إليها وكانت ثيابه رثة .. فطرده صاحب الوليمة ... فذهب ولبس أحسن ثيابه ... وعاد للوليمة .. فأحسن صاحب الوليمة استقباله ... فلما جلس جحا على الصحفة ... أخذ الطعام .. ورماه على ثيابه وقال كلي ياثيابي ... فإنما هذه الوليمة لك وليست لي !!

ويـروى عـن الجاحــظ أنه كان ذميم الخلقة ... حتى إنه ليقال بأن امرأة ذهبت إلى الصـائغ وقالت له اصنع لي عقدا وانحت عليه صورة الشيطان ... فأجاب الصائغ وهل رأيت الشيطان حتى أنحت صورته ؟! فصادف أن مر الجاحظ بجانبهما .. فأشارت إليه وقالت مثل هذا ....! ورغم ذلك ... فكلكم يعلم مكانة الجاحظ الأدبية الفذة .. والذي لو وجد في زماننا هذا لساد الناس في فنون الأدب ..

ويروى عن تأبــط شـرا ... وهو الشـاعر ثابت بن جابر .... لقي رجلا أحمق يرتدي حلة ثمينه .. فقال له الأحمق .. كيف تغلب الناس وأنت ذميم الخلقة ... فقال له أغلبهم باسمي .. فما إن أقول لهم أنا تأبط شرا إلا ولوا هاربين ... فساومه ذلك الاحمق على أن يأخذ منه اسمه مقابل أن يعطيه حلته الثمينة .. وكان الاحمـق يكنى بأبي وهب ... فوافق تأبط شرا .. وأعطاه اسمه .. ثم أنشد يقول :

هـلا أتى الحسناء أن حليلهـا = تأبـط شرا واكتنيت أبا وهبِ
فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه = فأين له صبري على معظم الخطبِ؟!
وأين له بأسٌ كبأسي ونجدتي؟! = وأيـن له في كل فادحةٍ قلبي؟!


فالعبـرة ليست بالظـاهر ... وإنما بما حوته البـواطن ...
قد يكون كل ما قلته معلوما ... ولكن ... ما أود أن أضيفـه ...
هو أن في عالمنـا الافتراضـي ... يوجد أيضا ظاهر وباطـن ...
فلا يغرنكـم طيب القول المعسول من البعــض ... ولا يغــرنكم ... جمال ظاهر بعض المعرفات ... فإن بعضها .. يقطر .. سما زعافــا ...

كما أنه ينبغي ألا نتقال بعض المـعرفات التي ربما يكون كلامها معدودا .. لكنها إن تكلمت أجادت ... وإن كتبت أفادت ... فلها مواقف في الخطب كمواقف تأبط شرا ... وله من الجلد .. كجلـده .. ومن الـصبر كصبره ...

دمتـم بخيـر .. متأبطـين .. خيــرا ...

إرسال تعليق

 
Top