فاس المدينة المغربية من الحواضر القليلة عالميا التي لا تزال تحتفظ على طابعها المعماري و الإجتماعي القديم الذي تشكل على امتداد قرون من الزمن، فرغم أنها تأسست منذ 12 قرنا، فإنها لا تزال تحتفظ بسماتها العريقة إلى عهدنا هذا[1].
و تعكس المدينة العتيقة لفاس من حيث كونها انطلاق الحاضرة الإدريسية و الدولة المغربية، أصالة ماض عمراني زاهر و عراقة علم و
معرفة لا نظير لها في المجالات الثقافية و الحضرية و كذا الإجتماعية[2]. غير أن هذه المدينة التي صنفتها منظمة اليونسكو 1981 كتراث عالمي، علاوة على أنها مدينة آثار استطاعت الصمود على مر العصور، تتهددها سلسلة عوامل مرتبطة بالضغط الديموغرافي في التسيير الحضري، بالإضافة إلى تدهور بيئتها العتيقة[3]، و تحظى مدينة فاس بتوفرها على تراث معماري غني، يتنوع بين الأبراج و المدارس و الأسوار و المساجد...، بعضها حافظ على وظيفته و البعض الآخر تغيرت وظيفته و يحتاج البعض منها إلى الترميم و رد الإعتبار[4].
و قد أضحى هذا التراث العمراني المتميز يختزن اليوم و أكثر من أي و قت مضى طاقات تنموية هائلة، و التي تعتبر عنصر قوة في معركة التنمية الإقتصادية و الإجتماعية[5].
و تبقى مدينة فاس العتيقة منفردة بعدة خصوصيات لا تتأتى في باقي المدن العتيقة الأخرى، فهي تعتبر من المدن التاريخية الشديدة الحيوية، على مستوى حجم و غنى و تنوع الأنشطة الإقتصادية و على مستوى الديناميكيات الديموغرافية و الإجتماعية و تعد من المدن العتيقة الضخمة على مستوى المقياس المجالي، إذ تمتد على مساحة 210 هكتارات[6].
و قد عـرفت المـدينة تحولات ديموغرافية سريـعة إذ ارتفـع عـدد سكانــها من 796.180 نسمة سنة 1994 إلى 977.946 نسمة سنة 2004[7].
 منظر عام لمدينة فاس

أما داخل أسوارها التاريخية ( لمدينة فاس ) تعيش ساكنة يفوق تعدادها 150 ألف نسمة، تحدوهم رغبة جامعة في مسايرة متطلبات العصر الآنية و الحفاظ في نفس الوقت على تراث زاخر قل نظيره في العالم. فأكثر من 9000 منزلا تقليديا لازال يفيض بحيوية ساكنيه،
و قرابة 700 من التجهيزات التقليدية تعرف حركة دؤوبة، غير أنه تحت وطأة التحولات الديموغرافية و الإقتصادية و الإجتماعية أصبح إطارها العمراني يعرف مسلسل تدهور متصاعد[8].
و بالموازاة مع هذه التحولات انطلقت التوجهات الكبرى لإستراتيجية رد الإعتبار في بداية 1992 بعد إنشاء وكالة التخفيض من الكثافة السكانية  و إنقاذ مدينة فاس، و لم يتأخر اهتمام الهيئات المالية الدولية حيث شارك البنك العالمي في المناظرة الدولية الثانية للمدن المصنفة عالميا سنة 1993 بمدينة فاس، و أبدى حينها رغبة في المساهمة في مشروع رد الإعتبار لمدينة فاس، بالإضافة إلى هبة من الحكومة اليابانية بتنسيق مع الهيئات المحلية و المركزية بتعاون مع مستشارين وطنيين و أجانب و كذلك مع جامعة هارفرد برنامجا أطلق عليه " مشروع رد الإعتبار لمدينةفاس " و قد توجت تلك السنة أي 1996 بزيارة رسمية لرئيس البنك الدولي السيد جيمس ولفنسون إلى مدينة فاس[9]، و يشمل برنامج رد الإعتبار الذي تتحمله الدولة على المكونات التالية :

1- رد الإعتبار للتراث المبني : مساعدة لرد الإعتبار و تهيئة المدارات السياحية.
2- تهيئة شبكة الطرقات الإستعجالية و الربط.
3- التقوية المؤسساتية : تقوية وكالة التخفيض من الكثافة و إنقاذ مدينة فاس، شراء آليات التجريب، التكوين و كذا دراسات مختلفة[10].

و قد مر مشروع رد الإعتبار للمدينة العتيقة بعدة مراحل و هي كالتالي :
+ 1975-1978 : إعداد أول مخطط مديري لمدينة فاس يبرز الأهمية الكبرى للمدينة العتيقة بالمقارنة مع باقي أطراف فاس.
+ 1978 : إحداث خلية مكلفة بمشروع إنقاذ مدينة فاس داخل وزارة السكنى.
+ 1980 : الرسالة الملكية لصاحب الجلالة الحسن П و كذا نداء اليونسكو من أجل إنقاذ مدينة فاس.
+ 1981 : تصنيف مدينة فاس على لائحة التراث العالمي من طرف منظمة اليونسكو.
+ 1982 : إحداث مندوبية مشتركة بين الوزارات تهم إنقاذ مدينة فاس يرجع التنسيق فيها لوزارة الداخلية.
+ 1985 : نشر مشترك بين اليونسكو و المغرب لوثيقة تتضمن 43 مشروعا لرد الإعتبار لمدينة فاس مع انطلاق أولى العمليات التجريبية في ميدان رد الإعتبار.
+ 1989 : إحداث وكالة التخفيض من الكثافة و إنقاذ مدينة فاس لإنجاز مشاريع إنقاذ مدينة فاس.
+ 1991-1998 : إنطلاقة الإنجازات الكبرى.
+ 1996-1999 : تهيئ المشروع المندمج الممول بقروض من البنك العالمي.
+ 2001-2005 : إنجاز عمليات المشروع المندمج المذكور[11].
لكن المدينة العتيقة لازالت تعرف أشغال رد الإعتبار أو بالأحرى هناك مناطق لم يصلها الدور لتنال نصيبها من الإصلاح و الترميم.

(مدونة جمال شعوان)

[1] -  جريدة الشرق الأوسط، سنة2005، العدد 9594.
[2] -  منشورات مجلس مدينة فاس ،صحافة و تواصل،2009/01/21
[3] -  نفس المرجع السابق.
[4] -  سميرة ترفاس، رجاء لوكيلي و أمال مصباحي،التعمير و التنمية المستدامة"، مجلة البرج، عدد خاص، يناير 2007.
[5] -  محمد عامر، فبراير2006 " التخطيط العمراني بين متطلبات التنمية و تحديات العولمة ". المدينة المغربية بين التخطيط و العشوائية ص 5
[6] -  منى زايير 2008-2009." ديناميات رد الإعتبار للسكن بمدينة فاس العتيقة، نموذج دور الضيافة، دراسة حالات معبرة" بحث لنيل الإجازة تحت إشراف الأستاذة أمينة البوعيشي، كلية الآداب و العلوم الإنسانية، ص 1.
[7] -وزارة الإسكان و التعمير والتنمية المجالية المفتشية الجهوية لجهة فاس-بولمان،Monographie d'habitats de Fes-2007
[8] -  محمد التازي " رد الإعتبار للمدينة العتيقة لفاس " مجلة البرج،ماي2002 ،ص 23.
[9] - كمال رفتاني"مشروع رد الإعتبار لمدينة فاس، البنك الدولي و التراث " مجلة المدينة، يونيو 2004، العدد 1،
 ص 4.
[10] - نفس المرجع السابق.
[11] -  لمحة عن تطور مشروع رد الإعتبار لمدينة فاس : المحطات الأساسية، مجلة المدينة، يونيو2004،ص 8.
 
Top